بسم الله الرحمن الرحيم
———————————-
اللهم صل على سيدنا محمد النبي و أزواجه أمهات المؤمنين و ذريته و أهل بيته كما صليت على آل سيدنا ابراهيم انك حميد مجيد
_______________________________________
فقهاء تلامذة الصوفية : تجربة أبو حامد الغزالي
يعتبر أبو حامد الغزالي رحمه الله أحد أعلام الأمة الإسلامية و أكابرعلمائها بلغ القمة في علوم الدين النقلية و العقلية و الذروة في علم الكلام والفلسفة والمنطق حتى تمكن من إفحام الخصوم و فضح الزنادقة والمرتزقة و أهل البدع و الضلال، فأصبح قطب زمانه، حجة الاسلام و مجدد القرن يحج إليه العلماء من مشارق الأرض و مغاربها يجثون أمامه على الركب ليتلقوا العلم.
لكن السؤال المطروح هو:
هل يعقل أن يصبح جبل العلوم هذا بكبريائه و شهرته و مكانته العالية في الدولة
تلميذا لشيخ صوفي أمي؟؟
و هل التصوف كله بدعة و ضلال(1) ؟؟ أم أن من الصوفية رجال لهم باع كبير و مقام عال في محبة الله و رسوله و أن علومهم أحد أشرف العلوم و أرفعها قدرا عند الله تعالى؟؟
نعم، لنستمع الى قصتة المثيرة يخطها بيمينه، و حديثه عما واجهه من صعاب لتخطي أول عقبات النفس الأمارة بالسوء في طريقه لمعرفة الله تعالى ..
قال: ثم إني لما فرغت من هذه العلوم (العلوم النقلية والعقلية في عصره قتلها دراسة ونقاشا)* أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم لا تتم إلا بعلم وعمل. وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل إلى تخلية القلب عن غير الله، وتحليته بذكر الله. ( … ) فلم أزل أفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال يوما (الأحوال التي كان فيها هي منصبه المرموق مدرسا في النظامية أكبر جامعة في بغداد وسمعته كفقيه تشد لفتواه الرحال)*. قال: وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا وتحمل عليها جند الشهوة حملة فتفترسها عشية. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! فلم يبق من العمر إلا القليل! وبين يديك السفر الطويل! وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل. فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهروب والفرار. ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال. فإذا أعرضت عنها وتركت هذا الجاه العريض والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمن الصافي عن منازعة الخصوم ربما التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة .
المزيد