فقهاء تلامذة الصوفية : تجربة أبو حامد الغزالي
كتبهاعلي بن محمد ، في 28 يونيو 2007 الساعة: 23:16 م
بسم الله الرحمن الرحيم
———————————-
اللهم صل على سيدنا محمد النبي و أزواجه أمهات المؤمنين و ذريته و أهل بيته كما صليت على آل سيدنا ابراهيم انك حميد مجيد
_______________________________________
فقهاء تلامذة الصوفية : تجربة أبو حامد الغزالي
يعتبر أبو حامد الغزالي رحمه الله أحد أعلام الأمة الإسلامية و أكابرعلمائها بلغ القمة في علوم الدين النقلية و العقلية و الذروة في علم الكلام والفلسفة والمنطق حتى تمكن من إفحام الخصوم و فضح الزنادقة والمرتزقة و أهل البدع و الضلال، فأصبح قطب زمانه، حجة الاسلام و مجدد القرن يحج إليه العلماء من مشارق الأرض و مغاربها يجثون أمامه على الركب ليتلقوا العلم.
لكن السؤال المطروح هو:
هل يعقل أن يصبح جبل العلوم هذا بكبريائه و شهرته و مكانته العالية في الدولة
تلميذا لشيخ صوفي أمي؟؟
و هل التصوف كله بدعة و ضلال(1) ؟؟ أم أن من الصوفية رجال لهم باع كبير و مقام عال في محبة الله و رسوله و أن علومهم أحد أشرف العلوم و أرفعها قدرا عند الله تعالى؟؟
نعم، لنستمع الى قصتة المثيرة يخطها بيمينه، و حديثه عما واجهه من صعاب لتخطي أول عقبات النفس الأمارة بالسوء في طريقه لمعرفة الله تعالى ..
قال: ثم إني لما فرغت من هذه العلوم (العلوم النقلية والعقلية في عصره قتلها دراسة ونقاشا)* أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم لا تتم إلا بعلم وعمل. وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل إلى تخلية القلب عن غير الله، وتحليته بذكر الله. ( … ) فلم أزل أفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال يوما (الأحوال التي كان فيها هي منصبه المرموق مدرسا في النظامية أكبر جامعة في بغداد وسمعته كفقيه تشد لفتواه الرحال)*. قال: وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا وتحمل عليها جند الشهوة حملة فتفترسها عشية. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! فلم يبق من العمر إلا القليل! وبين يديك السفر الطويل! وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل. فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهروب والفرار. ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال. فإذا أعرضت عنها وتركت هذا الجاه العريض والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمن الصافي عن منازعة الخصوم ربما التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة .
مرض الرجل مرضا شديدا أرداه طريح الفراش و لم يستطع الأطباء مداواته يقول :
:
فمن كان لله كان الله له. حتى إنه في الوقت الذي صدقت فيه رغبتي لسلوك هذه الطريق شاورت متبوعا مقدما من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن. فمنعني وقال: السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال ووطن وعلم وولاية. بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها وعدمها، ثم تخلو بنفسك في زاوية تقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب مجموع الهم، مقبلا بذكرك على الله تعالى. وذلك في أول الأمر بأن تواظب باللسان على ذكر الله تعالى، فلا تزال تقول الله الله(2)، مع حضور ا
لقلب وإدراكه، إلى أن تنتهي إلى حالة لو تركت تحريك اللسان لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، لكثرة اعتياده. ثم تصير مواظبا عليه إلى أن ينمحي أثر اللسان، فتصادف نفسك وقلبك مواظبين على الذكر من غير حركة اللسان. ثم تواظب إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيآت الكلمة، بل يبقى المعنى المجرد حاضرا في قلبك على اللزوم والدوام .
لزم الغزالي الأذكار و الخلوة حتى فتح الله له مغاليق العلوم كما يفتح لأحبابه .
كتب رحمه الله في كتابه المنقذ من الضلال:
ثم دخلت الشام وأقمت بها قريبا من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة، اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب بذكر الله تعالى كما حصلته من علم الصوفية. فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابها على نفسي (…)، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين. وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها. والقدر الذي أذكره ينتفع به.
الى أن قال شهادته التاريخية في رجال الصوفية :
إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إلى ذلك سبيلا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.
_________________________________
1- (الصوفية) أمثال الجنيد والشيخ عبد القادر وأضرابهم من أئمة الدين، وفيهم أكلة الأفاعي والراقصون والزنادقة والمجانين والسكارى الشطاحون. كل أولئك اجتهد شيخ الإسلام ليميز من بينهم الصالح من الطالح. كتاب الاحسان ج 1 ( مقدمة ) ذ.عبد السلام ياسين
قلت : ( و لست هنا أدعو للتصوف بشكله الحالي القاعد عن الجهاد انما ينبغي أن نعترف بما كان للصالحين من الصوفية من خيرو تزكية انتقلت عبر الأجيال من عهد النبوة )
* تعليق الأستاذ عبد السلام ياسين : كتاب الاحسان.
- هذا الذكر مأذنون، يعني يحتاج لاذن من الشيخ و ليس لأي كان أن يذكر به من ذاته، و الذكر المسنون المطلق هو لا اله الا الله ، فعنأبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جددوا إيمانكم، قيل: يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟ قال أكثروا من قول لا اله إلا الله؛ رواه الحاكم وقال صحيح الأسناد، و في كل الأحوال السلوك الى الله يحتاج لصحبة الصالحين من عباد الله و أوليائه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سير و أعلام | السمات:سير و أعلام
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 29th, 2007 at 29 أكتوبر 2007 7:20 ص
اخي علي
جميلة ثقافتك
وسعة اطلاعك
أشكرك على ما منحتنا اياه من معرفة
لك ودي وتقديري
أكتوبر 29th, 2007 at 29 أكتوبر 2007 5:08 م
مسرور جدا بردك الجميل ..
تقبلي تحياتي الخالصة
مارس 18th, 2008 at 18 مارس 2008 11:18 م
عليكم بكتاب تلبيس ابليس
أبريل 4th, 2008 at 4 أبريل 2008 1:48 ص
السلام عليكم ورحمة الله
لا شك ان طريق التصوف الحق هو من ازكى الطرق للوصول الى الحبيب الاعلى سبحانه وكلها ماخوذة من سيد البشر محمد عليه الصلاة والسلام
ومن يواظب على ذكر معين بصدق نية سيجد والله العجب العجاب وسيفتح الله قلبه لحبه على قدر صدقه واخلاصه
ووالله لقد جربتها بنفسي وفتح الله على من الامور حتى كاد عقلى ان يطيش وحتى تساوى ذهب الدنيا عندى وترابها
أبريل 5th, 2008 at 5 أبريل 2008 5:55 م
تحياتي اليك أخي الكريم و بارك الله فيك
و بالصحبة لأولياء الله تعالى تزيد المحبة و تنمو و يباركها الله تعالى
و ما الكرامات الا مواهب من الله سبحانه ليستقيم المرء على الطريق و هي بالنسبة للمبتدىء كالحلوى للصبيان و المقصود هو الله فلا ينبغي للمرء الوقوف معها أبدا
فلسان حالها يقول لك ” انما نحن فتنة فلا تكفر ”
تابع الطريق و الله ولي التوفيق